المقريزي

200

المقفى الكبير

فسمّرتهنّ . فكانت العجوز تئنّ من ألم المسامير ، فقالت لها ابنتها الصغرى وهي مسمّرة : يا أمّاه ، إيّاك أن يعيب علينا باعة المحلّة ! موتي وأنت ساكتة ! فشكره السلطان وأعاده إلى عمله ، فاستمرّ فيه مديدة ، إلى أن حدث به مرض المفاصل . فطلب الإعفاء . وأقام بالقاهرة ، إلى أن سار الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قتال التتار . فسار مع العسكر في محفّة حتى التقى الفريقان على شقحب . [ ف ] لبس آلة حربه وركب فرسه ، وبه من ورم رجليه وضربانه [ ما ] ألم شديد . فقال له بعض أصحابه : يا خوند ، أنت رائح ترمي نفسك للموت ! فنهره وقال : ويلك ! واللّه لمثل هذا اليوم كنت أنتظر ! وإلّا ، بأيّ شيء يتخلّص القشّاش من ربّه إلّا بهذا ؟ ثمّ اقتحم بفرسه وحمل برمحه على العدوّ ، وكأن لم يكن به ألم قطّ . وقاتل حتى قتل في يوم الأحد ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة ، فوجد فيه عدّة جراحات . وكان رحمه اللّه صاحب حرمة وافرة ومهابة [ 254 أ ] زائدة . واقترح في أيّامه نوعا شنيعا من العذاب . فأقام خوازيق في الأرض وجعل محدّدها منتصبا قائما ، وبأعلاها عود من خشب طويل ختامه بكرة فيعلّق الرجل من المفسدين بيده في تلك البكرة ، وترفعه [ 235 أ ] حتى يصل إلى آخر الخشبة ، ثم يرخيه بسرعة فيقع على الخازوق فيخرج من جسده بحسب ما يقع عليه . فذعر أهل النواحي منه واشتدّ خوفهم وفزعهم وصاروا بحيث لا يقدر أحد منهم على لبس مئزر أسود « 1 » ولا يتجاسر أن يتقلّد بسيف ولا يأخذ بيده عصا ولا يركب فرسا في مدّة ولايته . وأقام عدّة جسور وتراع كثر النفع بها ، منها جسر بين ملقة سندفا وأرض سمنود عرف بالشقفيّ . فلمّا كان بعد موته بمدّة رآه رجل في نومه وسأله عمّا لقي ، فقال : سامحني اللّه وغفر لي بعمارتي جسر الشقفيّ « 2 » . 878 - أيدمر الحلّيّ [ - 667 ] « 3 » [ 254 أ ] أيدمر الحلّيّ ، الأمير عزّ الدين ، الصالحيّ ، النجميّ ، أحد المماليك الصالحيّة نجم الدين أيّوب . ترقّى في الخدم حتى صار أكبر أمراء مصر وأعظمهم محلّا عند الملك الظاهر بيبرس ، وينوب عنه في غيبته لثقته به واعتماده عليه ، مع قلّة خبرته ، غير أنّ اللّه خوّله نعما يقصر الوصف عنها . ومات بدمشق في [ أوّل شعبان ] سنة سبع وستّين وستّمائة ، وقد أناف على الستّين . 879 - أيدمر الرشيديّ [ - 708 ] « 4 » [ 254 ب ] أيدمر الرشيديّ . كان من مماليك الأمير بلبان الرشيديّ خشداش الملك الظاهر بيبرس . وترقّى في خدمه إلى أن عمله أستداره . وآخر ما عمل أستدار الأمير سلّار نائب السلطنة ،

--> ( 1 ) لم نر الوجه في تحريم المئزر الأسود . ( 2 ) لم نجد جسر الشقفيّ . ( 3 ) المنهل 3 / 170 ( 600 ) ، الوافي 10 ( 4458 ) ، النجوم 2 / 27 ، السلوك 1 / 574 . ( 4 ) الدرر 1 / 458 ( 1128 ) ، السلوك 2 / 51 ، الخطط 2 / 44 ، وتاريخ وفاته فيه نظر لأن سلّار النائب مات سنة 710 .